محمد هادي معرفة
169
التمهيد في علوم القرآن
ويخفى وجه الحقّ ، عند تعارض الأقوال وتقابل الدعوى في وقوع المعارضة موقعها ، لأنّ الناظر إذا رأى جلّ أصحاب الفصاحة يدّعي وقوع المعارضة ، وقوما ينكرونها ، كان أحسن حاله أن يشك في القولين ، فأيّ شيء يبقى من المعجز بعد هذا ، والإعجاز لا يتمّ إلّا بالقطع على تعذّر المعارضة ، والتعذّر لا يحصل إلّا بعد العلم بأنّ المعارضة لم تقع ، مع توفّر الدواعي وقوّة الأسباب ! قال : وليس يحجز العرب عمّا ذكرناه ورع ولا حياء ، لأنّا وجدناهم لم يرعوا عن السبّ والهجاء ولم يستحيوا من القذف والافتراء ، وليس في ذلك ما يكون حجّة ولا شبهة ، بل هو كاشف عن شدّة عداوتهم ، وأنّ الحيرة قد بلغت بهم إلى استحسان القبيح الذي يكون نفوسهم تأباه ، واحرجهم ضيق الخناق إلى أن أحضر أحدهم أخبار رستم واسفنديار ، وجعل يقصّ بها ويوهم الناس أنّه قد عارض ، وأنّ المطلوب بالتحدّي هو القصص والأخبار ، وليس يبلغ الأمر بهم إلى هذا ، وهم متمكّنون ممّا ترفع الشبهة ، فعدلوا عنه مختارين . وليس يمكن لأحد أن يدّعي أنّ ذلك ممّا لم يهتد إليه العرب ، وأنّه لو اتّفق خطوره ببالهم لفعلوه ، غير أنّه لم يتّفق . لأنّهم كانوا من الفطنة والكياسة على ما لا يخفى عليهم معه أنفذ الأمرين مع صدق الحاجة وفوتها ، والحاجة تفتق الجبل ! هب أنّهم لم يتفطّنوا ذلك بالبديهة ، كيف لم يقعوا عليه مع التفكّر ، لأنّ العرب إن لم يكونوا نظّارين ، فلم يكونوا في غفلة مخامرة في العقول ، ولا يجوز أن يذهب العرب جلّهم عما لا يذهب عنه العامة ، وقد كانوا يستعملون في حروبهم من الارتجاز ما لو جعلوا مكانه معارضة القرآن كان أنفع لهم . . . انتهى ، مع شيء من التلخيص « 1 » . فذلكة القول بالصرفة : يتلخّص مذهب الصرفة - على ما قاله وجوه أصحاب هذا الرأي - حسبما يلي :
--> ( 1 ) راجع الخرائج والجرائح : ج 3 ص 1007 - 1010 . والبحار : ج 89 ط بيروت ص 139 - 141 .